قهوة الصباح

أعطني الناي و غنِّ ……فالغنا سر الخلود
و أنين الناي يبقى ……بعد أن يفنى الوجود

صوت فيروز يصدح من مذياعٍ غير مرئي، بينما يشرب الأصدقاء قهوة الصباح معاً. يتناوبون نفث دخان سجائرهم، و مع النغم يحلمون

في زاويةٍ ليست ببعيدة، يجلس كاتبٌ مرموق عمره كعمر المقهى الأثري، ينظرهم، و يخطُّ بقلمه، و يحزن

ساعاتٌ تمضي يتخللها ضحكٌ و سمرٌ، و أحياناً قلقٌ و توترٌ بين العشّاق منهم، و أحياناً أخرى أمل

و تتوالى فنجانين القهوة، و يتنافسون على حرق رئاتهم، و لا يتوقف صوت فيروز و لا الزمن، ثم يغادرون

قبل الخروج يلقون كعادتهم التحية على الكاتب. يردّها و يزداد حزناً و ألماً، ففي كتابه هم كغيرهم من شباب تلك البلد سيفترقون

الخاطرة المئة

بعد ٣ سنين من الأرشفة وصلت لحاجز المئة.. خواطر منفصلة،
متباعدة، و أحياناً متقاربة تحكمها زحمة الأحداث و حضور الفكرة

حافزي للكتابة كان دوماً التعبير عن مشاعري و آرائي و تناقضاتي، و التعامل مع قلقي و أحياناً خيبات آمالي

ارتكبت أخطاء نحوية و إملائية كثيرة، و أحياناً تجاوزت حدودأ و خطوطاً حمراءً وهمية. و لكنّي اليوم لا أشعر بالندم، لا بل أعزّي نفسي باكتساب الخبرة

أصعب ما في الأمر كان الكتابة في العلن، و مشاركة أفكاري مع من عرفت و من نساني، ثم قراءة آراءٍ و تعليقات لا تمتُّ لحالتي بصلةٍ، و تعلّم قبولها دون تعديل أو جدل

أقرأ أحياناً ما كتبت، فأعاود عيش حالات مرّت، و تراني أصفن و أتأمل كمن يقف على أطلالٍ، أو يستجّرُ ماضٍ، أو يبحث عن أمل

مثلاً قرأت الْيَوْمَ أول ما أرشفت، و يا ليتني ما قرأت، فما أشبه حديث الأمس باليوم. ففي نيسان ٢٠١٤ كتبت خاطرة بعنوان

‘سؤال للتاريخ’
هل كانت البداية صحيحة و انحرفت؟ ام كانت خاطئة و انكشفت؟
سؤال ثاني للتاريخ
هل كانت ردة الفعل متسرعة؟ ام كانت محسوبة؟

في تموز ٢٠١٧ و في خاطرتي المئة ما زلت لا أملك جواباً، و ما زلت اسأل نفس الأسئلة

الأمر المختلف أنني مقتنعٌ اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى أنّ بعض التساؤلات لا أجوبة لها، أو بالأحرى أجوبتها غير مهمة. ففداحة مصاب ما تكون أحياناً أكبر بكثير من السؤال، و التعامل مع أمر جلل بنيّة إنقاذ ما يمكن إنقاذه تكون أحياناً أولوية

بالرغم من هذه القناعة أعتقد أَنِّي سأتابع الكتابة و التساؤل، فالحافز مع مرور الزمن اختلف أو ربما نضج: اليوم في الغالب سأكتب لأترك لأولادي ذكرى

أعشاش السنونو

من ذكريات الطفولة البعيدة مراقبة عصافير السنونو و صغارها، في أعشاش مبنية في شقوق جدران البنايات الساحلية أو أطراف نوافذها

أيام طويلة يفقس فيها بيض السنونو، يخرج الصغار مغمضي الأعين، ينبت بالتدريج زغبٌ ثم ريشٌ يغطي الجسد، تعلوا أصواتهم ترقباً لطعامٍ و رحلة، ثم يطير من كبر و نجى من براثن قطٍ أو مرض، و يزور الجميع العش مرة أخرى قبل أن نبدأ انتقامنا

أذكر فيما أذكر سعينا و كبارنا الحثيث لتخريب الأعشاش بمجرد مغادرة السنونو، في محاولةٍ لمنعه من العودة إليها. أرى اليوم الغرابة في حرصنا على حافة نافذة أو منخل أو طلاء بناية، و في رغبتنا في إخماد صوت زقزقة عصفور طمعاً بقيلولة. جلّ ما أراد ذاك الكائن الصغير شقٌ في حجر و عشٌ يعود إليه فبخلنا

و مع ذلك كان السنونو يعود رغماً عن بطشنا كل عامٍ. و يقتحم حياتنا و عتبات نوافذنا و زوايا أدراجنا، ربما كان أمله يخيب عندما لا يرى عُشاً بناه، أو ربما كان لا يأبه لاجرامنا. و لكنّ المهم أنّ غريزة الحياة كانت تدفعه ليبني العش من جديد، يستقر، يعلّم نسله الطيران، و يتغاضى عن تدخلنا

فهل يُكتب لنا يوماً أن نتعلم من السنونو؟ هل سنعود؟ هل سنستقر في بيوتٍ بنيناها أو سنجد همةً لتعميرها؟

و الأهم من كل ما سبق هل سنتعلم أن نُحب بعضنا و الحياة يوماً؟ و هل سنتوقف عن محاولات طمس ذكريات بعضنا البعض، تاريخنا، و أعشاش السنونو؟

حبل السرّة

و فجأةً تعلم أنّ سلامك العابر كان وداعاً…. و تُدرك أنّ الحزن يومها لا يكفي فمشاعر الخيبة و الفقدان للحظةٍ تطغى

تمضي العمر واثقاً أنَّك قريب, حتى تباغتك لحظة تعلم فيها أنَّك أبعد من كُلّ ما وُصِف يوماً بالبعيد….. و أن الحبل الذي اعتقدته يربطك و يُقرِّبُك لم يكن يوماً أقوى من حبل السرة

تقف يومها مذهولاً مدركاً أنّ الندم لا يُعيد أوقات مرّت و لا الزمن يرضى…… فتهرب أكثر للأمام، و تغوص أكثر في بحرٍ لا تعرف له قرار، و تنسج حلماً آخر و لا تنسى

بقعة

الطريق إلى دمشق يمرّ عبر مطار الشعيرات. و لكن شاول اليوم لا يشبه بولس الأمس.. شتان بين من نشر سلاماً، و بين من جاء على الصواريخ محملاً كرهاً و خراباً

في زمنٍ مضى أضاء نورٌ طريق ضال.. في زمننا أعطى ضوء النار ذريعةً لأرعن

أسئلة للتاريخ… من أشعل نار اليوم، لعن الله من فعل؟؟
لماذا التوقيت، فالموت صار له في بلادي زمن؟
هل هو غباءٌ أم فخٌ أم تخطيطٌ أم انتقام؟

الأسئلة في رأيي أكاديمية فقط، و الإجابة عنها لا تُسمن ولا تُغني من جوع. فالحقيقة أنّ الخاسر الوحيد في كل ما يحدث هو شعب سوريا

فسلاماً يا شعب كان له وطن، و أصبح يحلم ببقعة

أم سوريّة

اليوم الصبح رنّيت لأمي أعايدها. في الحقيقة كنت مزعوج لأسباب كثيرة منها الوضع في دمشق و منها البعد و منها و منها…. المهم رد الوالد (أبو أحمد) عالتلفون الساعة ٨ الصبح، و خبّرني عن القصف و الضرب يللي ملعلعين جنب البيت. خبّرني أنّهم بلّشوا من قبل طلوع الضو، و أنّهم أسوأ من قبل. المهم وصلت أمي للتلفون و صوتها قوي و مرتاح و قالتلي: كل عام و انا بخير يا ابني و مرتك و أخواتك و الله يخليكم لبعض و لأولادكم

سألتها ليش مستعجلة؟ قالتلي لازم روح الشغل!!! قلتلها معقول يا ماما و الوضع يللي برا!! قالت: ماما حبيبي كل المدرسات في المركز أمهات، و الأطفال يللي منرعاهم يتامى، فلازم روح أحتفل بالمعلمات و الطلاب

المركز بعيد عن البيت شي ساعة بالسيارة و مو فارق معها، و الضرب و القتل شغّال جنب البيت و مو مهتمة. مسؤوليتها تجاه العمل أكبر من أي خوف. هذا شي طبيعي بالنسبة لأمي. لو كانت مقررة تقعد بالبيت كنت اصلاً استغربت. بالعكس استحيت على حالي متل العادة، و حلقت ذقني، و طلعت من البيت

يا جماعة، أنا ربيت بسوريا و ما شفت أم سوريّة إلا مثل أمي. سواءً كانت بتشتغل بالبيت او برا. بيعطوا دائماً أكثر من طاقتهم، و عندهم إحساس وطني عالي، و إحساس بالمسؤولية رهيب. و هالأحاسيس ورثوها لاخواتي و لأخواتكم، و منهم رح ينتقلوا لأولادنا

و الله بوجود هيك أمهات، و مهما حاولت أمم الأرض تذل السوريين، و مهما حاول العالم كله يلغي الفكرة السورية، لا حدا بيقدر يذلنا و لا بتلتغى الفكرة. و مهما تقاتلنا رح تضل الام السوريّة تجمعنا

الله يحميكي يا أمي، و كل عام و انتِ و كل أم سوريّة بألف خير، و الله يرحم الحي و الميت منكن

سوريا

بين عبث البعض و تبعثر الآخر، يضيع لحنٌ و ينقطع وتر

و المكان يضيق، و العدو يصبح صديق، و الويل يُزاحم البشر

و نهيقٌ يعلو، و تناغمٌ و تناسقٌ يخبو، و أحياناً ينطق حجر

………………….

بين عبث البعض و تبعثر الآخر، يذوي الحلم و ينقضي العمر

و لكنّ الحياة تمضي، و الزمن مسرعاً يمشي، و تدور حلقات الدهر

و تصمد فكرةٌ أكبر من كلّ قافيةٍ و نغم، فسوريا هي التاريخ كلّه و هي القدر