السنونو

ما أسعد السنونو و هو يتنقّل مهاجراً بين البلدان
يبني أعشاشه برويةٍ و حبٍّ  لتصمد على مرِّ الأزمان
يعود إليها كل عامٍ فرِحاً آمِلاً مترقباً وعاشقاً ولهان
يجدها أحياناً هرمةً فيرممها لزوجه و يفرح بأزلية المكان

أما اليوم فالأعشاش دُمّرت و حرقت وعفا عليها الزمان
و الأبنية والأمكنة هُدِّمت و سويت بالارض لا بل بالوديان
تراه كثير الزقزقة كأنه يسأل الله ان يرزقه نعمة النسيان
ما أتعس السنونو التائه عندما يكره الإنسان الإنسان

الببغاء و السلطان

في عالمٍ افتراضيٍ مضى، أراد سلطان السلاطين يوماً أن يُقيم حفلاً عظيماً

حفلٌ تحكي عن جماله و روعته الجموع و البشر. حفلٌ مليءٌ بالطعام  والسكر و الرقص و السهر. حفلٌ فيه من النساء ما كثر، علّ سعادته يلتقي  بولودٍ ودودٍ تُنجب له وريثاً لصولجانه و الدرر

 اجتمع أزلام السلطان و خططوا لحفلٍ لا خطاب فيه إلا التبجيل، و لا حديث فيه إلا التهليل. أمروا الشعراء بكتابة الدواوين و صياغة الألحان. و دعوا كل الشعب المسكين لتقديم فروض الطاعة و الإذعان

شاءت الأقدار يومها أن يموت قبل الحفل بيومٍ واحدٍ السلطان

 احتار المنظمون في أمرهم، فإلغاء الحفل قد يبلبل الدولة و ينقص من ولاء الرعيّة. زاد في الطنبور نغماً أنّ ولي نعمتهم لم يُسمِّ ولياً لعهده ولا نائباً قبل المنيّة

تذكروا أنّ راعيهم كان يملك ببغاءً و يعتني به صديقاً و يحبّه حبًّا شديداً. فاجتمعوا على إعلانه وريثاً للعرش، آملين في الاستمرار في تسيير البلاد على نهج الحكم الذي كان. و اتفقوا أنّ الحفل المنتظر يصبح مناسبةً لاستلام الطائر المدلل للصولجان و يوماً لتنصيبه على البلاد سلطان

يُحكى أنّ الحفل كان مهيباً و فرح الجموع كان رهيباً. الشعب المنتشي بموت سجّانه رقص و غنّى على وقع دفنه. و حلم بيومٍ و حريةٍ لم يكونا ابدا في حسبانه. و لكنه لم يحرك ساكناً لتحقيق أحلامه فالخوف كان سمة الزمان

لم يدم هذا طويلاً، فالببغاء فاجأ الجميع، و طَرب لمنصبه الجديد فانتفض و تجبّر و طغى، و قتل معظم الشعب و كل الأزلام، و انشأ جوقةً جديدةً من الأعوان جُلّها ببغاواتٍ حِسان. ووقف يصيح على مزابل جرائمه فرحاً بصوتٍ أعلى من صوت الخرفان

في عالم افتراضي مضى، حدثت قصة الببغاء و السلطان

ذنب الكلب

 

يبحثون عن حلقة وصلٍ بين الكائنات أملاً في إثبات الداروينية، و يُهملون أموراً أبسط و أكثر إقناعاً لدعم المقولة التطورية. فلهم في ذنب الكلب عبرةٌ و حكمةٌ و علامةٌ على صحة النظرية

يُحكى أنّه في زمنٍ مضى كانت أذناب الكلاب مستقيمة لا معوجة. و كانت الكلاب تصيد و تأكل في البرية، و تعيش شامخة الرأس و تموت رشيقةً و أبية.  استمر هذا الأمر حتى دجّن الإنسان الكلب، و علّمه الرقص و التدحرج و اللعب. و كافأه أحياناً بطعامٍ وفيرٍ و أُخرى بفراشٍ وثير

تطورت يومها الكلاب واستسلمت للخنوع. فطوت أذيالها و لوت رقابها طمعاً برضى سيدها و حبّاً للخضوع. و زادت الأذناب مع الأيام اعوجاجاً و مرونة، و تباهى البشر بطاعة كلابهم و رغبتها في لحسِ أيديهم بانتظار فُتات طعامهم و بقايا المؤونة

و انقرضت الكلاب ذات الأذناب المستقيمة. و تحولت أحفادها الى ذليلة. و كي لا تحزن صارت تُسمى وفية. و ظهرت المقولات التي تضرب في اعوجاج أذنابها مثلاً، و تتناسى لا بل تتجاهل أنّها كانت يوماً لا بل دهراً مستقيمة

إنّ قصة ذنب الكلب هذه برهانٌ ساطعٌ يؤكد النظرية الاصطفائية. زادت بلاغة هذا البرهان و نصوعه في زمننا حيث امتد التأثير للإنسانية. فاليوم و للأسف أصبح التطور باتجاه الذل و خفض الرأس و الرضوخ أمرأ مقبولاً و مرغوباً لا بل طموحاً و هدفاً للأغلبية

 

قارب مطاطي

يُحكى أنّه على قاربٍ مطاطي مليءٍ فوق طاقته رآها

 ثلاثون راكباً اجتمعوا في قاربٍ يتسع لعشرةٍ فقط فجعلوا الوصول إليها مستحيلاً. أيُّ حركةٍ قد تُخِل بالتوازن القلق، و تُبعِد المسافة و عيناها

ثلاثون عاماً مليئة بالشوق و العتب مرّت منذ أن فرّقهم العجز و باعدهم الهرب من واقعٍ مليءٍ بالتطرّف و الكفر و الضغينة. يوم عثر عليها شاءت سخرية الأقدار ان تكون معه في رحلة هروبٍ و عجزٍ أخرى حزينة

ثلاثون شخصاً مختلفين في كل شَيْءٍ جمعتهم سوريتهم وصدفة وحلم بيابسة بعيدة أو نهاية كريمة. اما حلمه فتوقف، في ذاك اليوم، عند شعرها و ابتسامتها و فرصة ثانية معها

معظمهم يومها غرقوا، و القليل الذي نجى لم يكلَّ ابداً عن تذكّر يوم الرحيل، و الحديث عن الرعب الذي أصاب الجموع كلها إلّا  رجلاً و امرأةً تعانقا في البحر الهائج، و ضحكا ضحكاً هستيرياً جميلاً، و غرقا سويةً بهدوءٍ و استسلامٍ و سكينة

الغدر

يُحكى أنّه في زمنٍ آخر و عالمٍ موازٍ، قررت الآلهة القيام بتجربة مثيرة

جعلت البشر تدخل معترك الحياة كبيرة، و تصغر في العمر مع تقدم الزمن و المسيرة

فصار الناس يَرَوْن نتائج أعمالهم قبل الإقدام عليها، ويعلمون عواقب الأمور قبل الشروع فيها

و أصبح البشر يملكون المستقبل، لا بل اصبح بإمكانهم تغيير المحتوم و اختيار الطريق الأفضل

يُقال إنّه في ذاك العالم و الزمن سجد الأخوة لِيُوسُف و لكنّهم ارتدعوا، فرموه في البئر مرة أخرى و تأكدوا انهم أردوه هذه المرة قتيلا

و يُحكى أن قابيل تعلّم درس الحياة، فقتل هابيل قبل تقديم القرابين حتى يضمن أن يكون قربانه وحيداً فيلقى قبولاً عظيما

و يُروى أن المسيح ذُبِح في المهد حتى لا يُعلّم أتباعه، و أنّ مُحَمَّد قُتِل يافعاً حتى لا ينشر تعاليم دينه، و أنّ موسى نُحِر على أيدي فرعون حتى لا يُغرقَه في البحر ومياهه

و يُحكى و يُحكى ويُحكى مئات لا بل آلاف المواقف المشابهة لإنسانٍ يغتنم الفرصة لا لنصرة أخيه بل ليتفنن في الغدرِ فيه

   يُحكى أنّ الآلهة حزنت حزناً شديداً و قررت إلغاء التجربة لتتفاجىء أنّ البشر تآمروا عليها، و استطاعوا في عالمٍ انكشف فيه الغيب و انتفت فيه الحاجة للحذر أن يبرعوا في التنكيل في إخوانهم و فيها

الماضي

كان يزور مشفانا عدة أيام أو أسابيع كل سنة أو سنتين، يُقبل في قسم التأهيل لأن وظائفه الحركية تراجعت، و بالتالي قلّت قدرته على التعامل مع حياته اليومية. كان مرضه عضوياً و معاناته من ضعف العضلات حقيقية.  هناك، كان يخضع لعلاج فيزيائي و وظيفي مكّثف، و يتحسن كثيراً، و يصبح جاهزاً للعودة الى حياته الطبيعة

في كل مرة كنّا نعاني في تجهيز منزله لاستقباله.  من الواجب القول إنه في الدول المتقدمة كنّا نهيأ بيوت المرضى لاستقبالهم عند اقتراب موعد خروجهم من المشفى لنضمن أنّ المكاسب النأهيلية التي حصلوا عليها ستستمر و تنتقل معهم الى حياتهم اليومية. منزل هذا المريض من دون غيره كان مشكلة حقيقية، فاللمريض هواية غريبة و وسواس قهري مختلف؛ هو لا يتخلص من أشيائه القديمة، منزله متروس بعلب الشراب الفارغة، و بصناديق الورق المقوى المستعملة، و بالثياب البالية، و بأكياسٍ كثيرة لحاجاتٍ استهلكت في أيام مضت، و بغيرها و غيرها من أشياء أقتناها او جمعها على مدى سنين كثيرة

أذكر بوضوح معاناة المعالجين و المرشدين الاجتماعيين عند التحضير لخروج هذا المريض من المشفى. كان يرفض رمي الأشياء و يقاوم فكرة التخلص منها، و لكنّه يخشى العودة لمنزله لأنّه اصبح أضيق من أن يتنقل فيه بحرية. ترتيب المنزل كان مهمة صعبة و طويلة تنتهي دائماً بشق طرقاتٍ ضيقةٍ بين الركام بالكاد تكفي للتحرك ببعض الحرية. طبعاً ما أن ينتقل المريض لبيته حتى يعاود الانغماس في هواية الاحتفاظ بالاشياء و هكذا

أتساءل اليوم عن هذا المريض فأنا لم أره منذ زمن. لا أخشى أن يكون مرضه العضوي المزمن قد نال منه فهذا المرض ليس خطيراً، و التراجع فيه عادةً يكون بطيئاً. ما أخشاه حقيقةً أنّ يكون توقف عن طلب المساعدة من المشفى لأنّ عدم قدرته على رمي ذكرياته وراء ظهره، و عدم قدرته على الافتكاك من أسر ماضيه قد قضوا على أي رغبةٍ لديه في الاستمرار و الحياة

الفراشات

يُحكى أنه في قديم الزمان لم تحترق الفراشات في النار و لم تنجذب إليها

كانت تطير حتى تهرم، و تموت عندما تمرض، و تعيش سنين فلكية

و تتكاثر بحرية، و تملأ الأجواء ألواناً و أجنحةً زرقاء و صفراء ووردية

كثرت الفراشات يوماً وقلّ عنها الغذاء، و ضاق عليها الفضاء، فاجتمع زعماء قومها و قرروا التضحية بالبعض منها، و جعلوا التقرب للإله هدفاً و لم يعلنوا رغبتهم في إنقاص الأعداد الوفيرة

لم يجدوا أحسن من الحرق في النار وسيلة، و لكنهم فوجئوا بردة فعل القبيلة

تسابقت الفراشات على رمي نفسها في النار، جذبها الدفء و الوهج و المغامرة، و صارت لها وقوداً و حطباً و فتيلا

لم يفهم الزعماء والحذرون ما حصل، و لكنّهم فرحوا برحابة المكان ووفرة الطعام، و كبروا كسالى، و صاروا للطيور فرائس سهلة و غزيرة

أما من أغوته النار و رمى نفسه فيها فيُقال أنّه عاش لذةً لا مثيل لها، و اكتشف في النار حياةً أُخرى جميلة