الماضي

كان يزور مشفانا عدة أيام أو أسابيع كل سنة أو سنتين، يُقبل في قسم التأهيل لأن وظائفه الحركية تراجعت، و بالتالي قلّت قدرته على التعامل مع حياته اليومية. كان مرضه عضوياً و معاناته من ضعف العضلات حقيقية.  هناك، كان يخضع لعلاج فيزيائي و وظيفي مكّثف، و يتحسن كثيراً، و يصبح جاهزاً للعودة الى حياته الطبيعة

في كل مرة كنّا نعاني في تجهيز منزله لاستقباله.  من الواجب القول إنه في الدول المتقدمة كنّا نهيأ بيوت المرضى لاستقبالهم عند اقتراب موعد خروجهم من المشفى لنضمن أنّ المكاسب النأهيلية التي حصلوا عليها ستستمر و تنتقل معهم الى حياتهم اليومية. منزل هذا المريض من دون غيره كان مشكلة حقيقية، فاللمريض هواية غريبة و وسواس قهري مختلف؛ هو لا يتخلص من أشيائه القديمة، منزله متروس بعلب الشراب الفارغة، و بصناديق الورق المقوى المستعملة، و بالثياب البالية، و بأكياسٍ كثيرة لحاجاتٍ استهلكت في أيام مضت، و بغيرها و غيرها من أشياء أقتناها او جمعها على مدى سنين كثيرة

أذكر بوضوح معاناة المعالجين و المرشدين الاجتماعيين عند التحضير لخروج هذا المريض من المشفى. كان يرفض رمي الأشياء و يقاوم فكرة التخلص منها، و لكنّه يخشى العودة لمنزله لأنّه اصبح أضيق من أن يتنقل فيه بحرية. ترتيب المنزل كان مهمة صعبة و طويلة تنتهي دائماً بشق طرقاتٍ ضيقةٍ بين الركام بالكاد تكفي للتحرك ببعض الحرية. طبعاً ما أن ينتقل المريض لبيته حتى يعاود الانغماس في هواية الاحتفاظ بالاشياء و هكذا

أتساءل اليوم عن هذا المريض فأنا لم أره منذ زمن. لا أخشى أن يكون مرضه العضوي المزمن قد نال منه فهذا المرض ليس خطيراً، و التراجع فيه عادةً يكون بطيئاً. ما أخشاه حقيقةً أنّ يكون توقف عن طلب المساعدة من المشفى لأنّ عدم قدرته على رمي ذكرياته وراء ظهره، و عدم قدرته على الافتكاك من أسر ماضيه قد قضوا على أي رغبةٍ لديه في الاستمرار و الحياة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s