القارىء الصامت

ظل يكتب شهوراً و سنيناً طويلة. يخترع القصص و الأحاديث علّه يبعث سعادةً في قلبٍ، او يحثُّ أحداً على التساؤل أو الحوار، أو يُناجي روحه و الخالق

كلّ ما لقاه على مرّ الزمن كان بعضاً من تفاعلٍ و لكنّه ظل يكتب و يحاول

اقتنع يوماً أنّه يكتب ليعالج التوتر و التضاد في شخصه، و لكنّ معاناة روحه كلّما مسك قلماً، و قارب ورقةً خففت تدريجياً من هذا الاقتناع

فكّر كثيراً في تركِ الكتابة. و فعلاً ابتعد عنها مراراً كثيرة. و لكنّه عاد في كلّ مرةٍ مسرعاً متشوقاً كعودة ضالٍ إلى وطن، أو تائهٍ إلى حُلم

في كلّ مرةٍ ابتعد، كان يشعر أنّه لا بدّ أنّ هناك شخص ما يقرأ كتابته و ينتظرها بصمت. ربما كان يحلم، ربما كان يُمنّي النفس. و لكنّ الشعور كان حقيقياً لدرجة تجعله يهدي خاطرة اليوم إلى قارئه الصامت، و يقول له أُحبك

حُمرة الليل

يحكى أنّ صمتاً رهيباً أصاب الجموع، فالمشهد كان أقوى من أيِّ كلام

تكالبت الضباع على أصحاب حقٍ و شاركها في المعمعة الغربان

و لوّنت حُمرة الدم سواد الليل بالرغم من كون الأسود سيد الألوان

و تساقطت الأوراق من شجرة الحياة غزيرةً فإعصار الموت ساد المكان

و أدمعت عيون الملائكة حزناً بينما لم تطرف عينٌ من عيون شركاء الشيطان

و استمر السحل و الذبح  و الحرق، و صار المكان لآكلي الرمّة ملعباً و بستان

……………………………..

روى بعض المؤرخين أنّ أصحاب الحق فشلوا بتوحيد جهودهم، فاستمروا يُقْتَلون حتى فنوا و زالت مُدنهم و غابت شمسهم، و نسيهم حتى النسيان

بينما كتب البعض الآخر أنّ أصحاب الحق اجتمعوا على رأيٍ  واحدٍ، فانتصروا لبعضهم، و حولوا حُمرة الليل لشروقٍ عظيمٍ أنار الأرجاء و الوديان

……………………………….

في زمنٍ مضى وعالمٍ موازٍ حدثت هذه القصة، فلعل في ذكرها عبرةٌ لأبناء هذا الزمان