صرخة

ثلاثون ثانية فقط هي عمر حرية الإنسان. تزيد او تنقص قليلاً و لكنها حول هذا الرقم تحوم

يُطلِق بعدها صرخةً و يتنفس عميقاً إيذاناً ببدء الحياة على الارض، و بدء الحرب ضد العبودية

ساعاتٌ أو أيامٌٍ قليلةٌ تمضي، يُصبح الإنسان المسكين بعدها عبداً لاسمٍ و هويةٍ و دينٍ و طائفةٍ و هواءٍ و ماءٍ و طعامٍ و بلدٍ و غيرها الكثير

يصبح عبداً لماضٍ موروث و لتاريخٍ مشوه و لمستقبلٍ محفورٍ على حجر

كلّما حاول التحرر و السيطرة على عُمره والقدر، زادت الأعباء و ثقلت الأغلال و غاصت الأقدام في وحل الحياة أعمق و أكثر

و يزداد الكفاح و يسمو النضال، و ينسى ابن آدم و يُصبح حلمه الوحيد أن يموت حراً

و يقترب هذا الحلم الأخير مسرعاً و لكن تتعاظم خدعة الزمن. فحتى التجلّي الذي قد يسبق الموت صار في القاموس هذياناً و أحياناً تخريفاً و ربما كفراً. و تبدأ عبودية أخرى للعزل و الشفقة و الأدوية التي قد تُعيد العقل إلى تفكير القطيع أو تكبته للأبد

و لا تنتهي الأمور هكذا فحتى الموت ربطه البشر ببرزخٍ و كهنةٍ و جنةٍ و نارٍ و بعودةٍ الى بدايةٍ جديدةٍ و أحياناً بعودةٍ إلى عدم

و لكن يستمر الحلم، لا بل يتعاظم الإشتياق إلى تلك الثلاثين ثانية. فوالله ما خبر الإنسان غيرها حرية، و لو عرف ما ينتظره لما صرخ

Advertisements

1 thought on “صرخة”

  1. قد اختلف معك في نظرتي إلى الحياة لكن صدق المشاعر في هذه الخاطرة يسري إلى القارئ ويتركه حائرا فأذكر نفسي بما ردده محمود درويش على هذه الأرض ما يستحق الحياة. مشاركة تدعو إلى التأمل والتفكر. أنتظر المزيد.

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s