أعشاش السنونو

من ذكريات الطفولة البعيدة مراقبة عصافير السنونو و صغارها، في أعشاش مبنية في شقوق جدران البنايات الساحلية أو أطراف نوافذها

أيام طويلة يفقس فيها بيض السنونو، يخرج الصغار مغمضي الأعين، ينبت بالتدريج زغبٌ ثم ريشٌ يغطي الجسد، تعلوا أصواتهم ترقباً لطعامٍ و رحلة، ثم يطير من كبر و نجى من براثن قطٍ أو مرض، و يزور الجميع العش مرة أخرى قبل أن نبدأ انتقامنا

أذكر فيما أذكر سعينا و كبارنا الحثيث لتخريب الأعشاش بمجرد مغادرة السنونو، في محاولةٍ لمنعه من العودة إليها. أرى اليوم الغرابة في حرصنا على حافة نافذة أو منخل أو طلاء بناية، و في رغبتنا في إخماد صوت زقزقة عصفور طمعاً بقيلولة. جلّ ما أراد ذاك الكائن الصغير شقٌ في حجر و عشٌ يعود إليه فبخلنا

و مع ذلك كان السنونو يعود رغماً عن بطشنا كل عامٍ. و يقتحم حياتنا و عتبات نوافذنا و زوايا أدراجنا، ربما كان أمله يخيب عندما لا يرى عُشاً بناه، أو ربما كان لا يأبه لاجرامنا. و لكنّ المهم أنّ غريزة الحياة كانت تدفعه ليبني العش من جديد، يستقر، يعلّم نسله الطيران، و يتغاضى عن تدخلنا

فهل يُكتب لنا يوماً أن نتعلم من السنونو؟ هل سنعود؟ هل سنستقر في بيوتٍ بنيناها أو سنجد همةً لتعميرها؟

و الأهم من كل ما سبق هل سنتعلم أن نُحب بعضنا و الحياة يوماً؟ و هل سنتوقف عن محاولات طمس ذكريات بعضنا البعض، تاريخنا، و أعشاش السنونو؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s