حبل السرّة

و فجأةً تعلم أنّ سلامك العابر كان وداعاً…. و تُدرك أنّ الحزن يومها لا يكفي فمشاعر الخيبة و الفقدان للحظةٍ تطغى

تمضي العمر واثقاً أنَّك قريب, حتى تباغتك لحظة تعلم فيها أنَّك أبعد من كُلّ ما وُصِف يوماً بالبعيد….. و أن الحبل الذي اعتقدته يربطك و يُقرِّبُك لم يكن يوماً أقوى من حبل السرة

تقف يومها مذهولاً مدركاً أنّ الندم لا يُعيد أوقات مرّت و لا الزمن يرضى…… فتهرب أكثر للأمام، و تغوص أكثر في بحرٍ لا تعرف له قرار، و تنسج حلماً آخر و لا تنسى

بقعة

الطريق إلى دمشق يمرّ عبر مطار الشعيرات. و لكن شاول اليوم لا يشبه بولس الأمس.. شتان بين من نشر سلاماً، و بين من جاء على الصواريخ محملاً كرهاً و خراباً

في زمنٍ مضى أضاء نورٌ طريق ضال.. في زمننا أعطى ضوء النار ذريعةً لأرعن

أسئلة للتاريخ… من أشعل نار اليوم، لعن الله من فعل؟؟
لماذا التوقيت، فالموت صار له في بلادي زمن؟
هل هو غباءٌ أم فخٌ أم تخطيطٌ أم انتقام؟

الأسئلة في رأيي أكاديمية فقط، و الإجابة عنها لا تُسمن ولا تُغني من جوع. فالحقيقة أنّ الخاسر الوحيد في كل ما يحدث هو شعب سوريا

فسلاماً يا شعب كان له وطن، و أصبح يحلم ببقعة

أم سوريّة

اليوم الصبح رنّيت لأمي أعايدها. في الحقيقة كنت مزعوج لأسباب كثيرة منها الوضع في دمشق و منها البعد و منها و منها…. المهم رد الوالد (أبو أحمد) عالتلفون الساعة ٨ الصبح، و خبّرني عن القصف و الضرب يللي ملعلعين جنب البيت. خبّرني أنّهم بلّشوا من قبل طلوع الضو، و أنّهم أسوأ من قبل. المهم وصلت أمي للتلفون و صوتها قوي و مرتاح و قالتلي: كل عام و انا بخير يا ابني و مرتك و أخواتك و الله يخليكم لبعض و لأولادكم

سألتها ليش مستعجلة؟ قالتلي لازم روح الشغل!!! قلتلها معقول يا ماما و الوضع يللي برا!! قالت: ماما حبيبي كل المدرسات في المركز أمهات، و الأطفال يللي منرعاهم يتامى، فلازم روح أحتفل بالمعلمات و الطلاب

المركز بعيد عن البيت شي ساعة بالسيارة و مو فارق معها، و الضرب و القتل شغّال جنب البيت و مو مهتمة. مسؤوليتها تجاه العمل أكبر من أي خوف. هذا شي طبيعي بالنسبة لأمي. لو كانت مقررة تقعد بالبيت كنت اصلاً استغربت. بالعكس استحيت على حالي متل العادة، و حلقت ذقني، و طلعت من البيت

يا جماعة، أنا ربيت بسوريا و ما شفت أم سوريّة إلا مثل أمي. سواءً كانت بتشتغل بالبيت او برا. بيعطوا دائماً أكثر من طاقتهم، و عندهم إحساس وطني عالي، و إحساس بالمسؤولية رهيب. و هالأحاسيس ورثوها لاخواتي و لأخواتكم، و منهم رح ينتقلوا لأولادنا

و الله بوجود هيك أمهات، و مهما حاولت أمم الأرض تذل السوريين، و مهما حاول العالم كله يلغي الفكرة السورية، لا حدا بيقدر يذلنا و لا بتلتغى الفكرة. و مهما تقاتلنا رح تضل الام السوريّة تجمعنا

الله يحميكي يا أمي، و كل عام و انتِ و كل أم سوريّة بألف خير، و الله يرحم الحي و الميت منكن

سوريا

بين عبث البعض و تبعثر الآخر، يضيع لحنٌ و ينقطع وتر

و المكان يضيق، و العدو يصبح صديق، و الويل يُزاحم البشر

و نهيقٌ يعلو، و تناغمٌ و تناسقٌ يخبو، و أحياناً ينطق حجر

………………….

بين عبث البعض و تبعثر الآخر، يذوي الحلم و ينقضي العمر

و لكنّ الحياة تمضي، و الزمن مسرعاً يمشي، و تدور حلقات الدهر

و تصمد فكرةٌ أكبر من كلّ قافيةٍ و نغم، فسوريا هي التاريخ كلّه و هي القدر

في نهاية ٢٠١٦

عامٌ آخر مرّ مسرعاً

و كثيرنا له من الحياة نفسه فقط، و ربما أحياناً شهوة

قليلنا فقط يحيا، و يعلم انّه يفعل، فيتواصل أو يسعى

و لكن الكل إجمالاً يحلم. لذلك أدعُ الله أن تكون السنة القادمة على قدر أحلامِ الحميع، و أن يعمّ الخير والبركة، و ان يصبح كثيرنا كقليلنا، و ان يزداد تواصلنا فتصبح لحياة كل واحدٍ منّا معنى

كل عام و انتم بخير